زكريا القزويني
4
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
ازداد من اللّه تعالى هداية ويقينا ونورا وتحقيقا ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « تفكروا في خلق اللّه » « 1 » ، والفكر في المعقولات لا يتأتى إلا لمن له خبرة بالعلوم والرياضيات بعد تحسين الأخلاق وتهذيب النفس « 2 » ، فعند ذلك ينفتح له عين البصيرة ويرى في كل شيء من العجب ما يعجز عن إدراك بعضها ، فلو ذكر طرفا منها لغيره لأنكره ، وللّه در « 3 » القائل : إني سمعت عجيبا كنت أحسبه * طيفا من النوم أو هجرا من السمر لما ألفت به ألفيت صحته * وقد رأيت ألوفا مثل ذا العبر
--> ( 1 ) حديث صحيح رواه أحمد بن حنبل في مسنده 2 / 353 والقرطبي في تفسيره 4 / 200 بلفظ ( مر النبي صلى اللّه عليه وسلم على قوم يتفكرون في اللّه فقال : « تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في لخالق فإنكم لا تقدرون قدره » . انظر تفسير القرطبي 4 / 200 . ( 2 ) قال تعالى في أصحاب العقول السليمة التي تتفكر في خلق السماوات والأرض : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : 190 - 191 ] ، فإن عبادة التفكر في قدرة اللّه تعالى ومخلوقاته والعبر الموجودة فيها لتزيد في بصائر هؤلاء وقد قيل : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد حكى أن سفيان الثوري رضي اللّه عنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غشى عليه وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته وروي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك ربّا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر اللّه إليه فغفر له » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا عبادة كتفكر » . وروى ابن القاسم عن مالك قال : قيل لأم الدرداء : ما كان أكثر شأن أبي الدرداء ؟ قالت : كان أكثر شأنه التفكر ، قيل له : أفترى التفكر عملا من الأعمال ؟ قال : نعم ، هو اليقين . وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر قال : ليست هذه عبادة إنما العبادة الورع عما حرم اللّه والتفكر في أمر اللّه . وقال الحسن : تفكر ساعة خير من قيام ليلة . قاله ابن عباس وأبو الدرداء . وقال الحسن : الفكر مرآة المؤمن ينظر فيها على حسناته وسيئاته ومما يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر والنشر والجنة ونعيمها والنار وعذابها . . . انظر تفسير القرطبي 4 / 201 . ( 3 ) قوله للّه دره : عبارة تقال عند المدح والتعجب ، والدر اللبن الكثير والدر أيضا اللؤلؤ والجواهر تجمع على درر ، انظر لسان العرب مادة ( درر ) .